
بقلم أسامة حمود
كثيرًا ما يُبتلى المرء بأناس يتحدثون عن الإسلام حديثًا عجبًا، ويخلطون بين تعاليمه خلطًا منكرًا غريبًا، فالأمور الفقهية الخلافية الصغيرة أمست من أمهات المسائل، ومما يزيد الأمر سوءًا أنه يمزج نصائحه بالغلظة والتشنج، فلا سناء في الفكر، ولا رقة في السلوك.
وحين أُبتَلى بلقاء مثل هؤلاء الأناس أقول في نفسي: أبو حنيفة لكن بغير فقه! يا مسكين..ألا توجد مشاكل أولى بالرعاية والتشنج؟! أهذا هو القلق الحضاري الذي سيطر على عقلك ووجدانك ؟!، ألا يوجد طريق لتعليم الناس وإرشادهم غير طريق الغلظة وأسلوب القسوة في المعاملة؟!
لكن لا ألبث أن أحدّث نفسي في التماس العذر لهم، فنحن أمام مريض وضحية، مريض يهذي من الحمى ويرفض الاعتراف بأنه مريض، وضحية لأوضاع فكرية مقلوبة؛ لأن الاستمرار في إنتاج هذه الأفكار الميتة يعني أننا لا زلنا في فجر الدعوة الكاذب، ومن ثَم فإن أوضاعنا المزرية سوف تستمر ويعاد استنساخها وإنتاجها حتى يشرق فجرٌ صحيح.
إن هناك تفاضلية في الأعمال ولا شك، والقرآن الكريم والسنة الصحيحة فيهما أدلة لا تحصى في هذا المضمار، فالقرآن الكريم يفاضل في مجال الصدقات: "إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُم" [البقرة: 271]، فصدقة السر أفضل وأعلى.
وفي تفاضل الأيام والأزمنة يقول تعالى: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" [القدر: 3]، نعم إن حفظ النصوص علم، لكن ملكة الاستنباط والقدرة عليه ووضع النصوص في محلها، كل ذلك معنى زائد على العلم، وهبة خاصة من الله تعالى لأحد العباد، وقد أشارت النصوص إلى هذا المعنى، قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ" [النساء: 83]، هذا في فهم النصوص، وفي فقه المواقف اليومية، فالصحابة مثلا كان بينهم العالم والأعلم، فالأعلم بالقرآن ابن عباس، والأعلم بالفرائض زيد، وهكـذا...
إن معرفة كليات الشريعة ووضع مقاصدها في المقام الأول شيء لا مندوحة عنه البتة، إنها من أوجب الواجبات في عصرنا، ومن ثَم فإعادة الاعتبار إليها ووضعها في بؤرة الشعور هو العلاج الحاسم لإعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر؛ لأن هاهنا إعادة ترتيب موازينه وأولوياته، وتصحيح خريطته المقلوبة المضطربة، وتلك قضية القضايا.
قواعد ترتيب الأولويات
اختلال حاسة الموازنات وانقلاب فقه الأولويات، من أهم مظاهر أزمة الفكر المعاصر، فقد وقع الآن في الفكر الإسلامي تقديم وتأخير، وتضخيم وتقزيم، وكل ذلك على خلاف وضعها الحق، فما أكثر ما أصيبت حياتنا العلمية والعملية بأمثال تلك الاختلالات. فقد كثُر الحفاظ وقلّ الفقهاء والحكماء، والقضية الكبرى أمام علماء الإسلام ومفكريه قضية إعادة ترتيب الأولويات؛ لإعادة بناء منظومة الموازين والقيم ووضع كل شيء في محله اللائق ونصابه الحق.
وقد وضع الفقهاء عددًا من القواعد التي تعين على ذلك، منها قواعد كلية وأخرى تتفرع عنها، ومن القواعد الكلية والقواعد المتفرعة عنها ما يلي:
إننا غالبًا ما نضحي بأعمال كبيرة لإيثار أشياء صغيرة، وكثيرًا ما نعمل على تقديم المرجوح المختلف فيه، وتأخير الراجح المتفق عليه! فالفقهاء يقررون الآتي عند الترجيح: "احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما".
قال الطوفي، كما ورد في الموسوعة الفقهية: "إن العمل بالأرجح متعين عقلاً وشرعًا، وقد عمل الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأب العقل والشرع حيث احتاجا إليه"، ومن القواعد التي أوردها الزركشي صاحب "المنثور في القواعد": أنه لو تعارض الواجب والمحظور يقدم الواجب، فلو أسلمت المرأة وجب عليها الهجرة إلى دار الإسلام، ولو سافرت وحدها.
ومن القواعد: ما لو تعارض واجبان قُدم آكدهما، فيقدم فرض العين على فرض الكفاية، فالطائف حول الكعبة لا يقطع الطواف لصلاة الجنازة، وذكر الزركشي كذلك: إذا تعارض الواجب والمسنون وضاق الوقت عن المسنون يترك تقديمًا لمصلحة الواجب.
وقال في بيان رتب المصالح وهي ضربان:
أحدهما مصلحة أوجبها الله عز وجل لعباده، وهي متفاوتة الرتب منقسمة إلى الفاضل والأفضل والمتوسط بينهما، فأفضل المصالح ما كان شريفًا في نفسه، دافعًا لأقبح المفاسد، جالبًا لأرجح المصالح، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"، متفق عليه.
فانظر كيف جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه، وجعل فريضة الجهاد تلو الإيمان،؛ لأنه ليس بشريف في نفسه، وإنما أوجب وجوب الوسائل، وفوائده ضربان: العاجلة والآجلة، فأما مصالحه العاجلة فإعزاز الدين، ودرء الكفر ومحق الطغيان، وأما المصالح الآجلة فالأجر العظيم من الله تعالى.
وجعل الحج في الرتبة الثالثة لنزول مصالحه عن مصالح الجهاد، ثم يقول: "ولا تزال رتب المصالح الواجبة من رتبة إلى رتبة لو تناقصت لانتهينا إلى رتب المصالح المندوبات، وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به في المصالح والمنهي عنه في المفاسد".
تلك الدرر التي تمتلئ بها كتبنا القديمة يسَّرت لنا معرفة أحكام الشريعة بمناسيبها المعتادة، لكن بقي في أعناق المربين وأولي الألباب نقل ذلك الفقه من بطون الكتب إلى أعماق الأفئـدة، فإن الشعوب تشيع بينها أخطاء قاتلة، وأمراض مزمنة، لا تعالج بسطحية وارتجال.
ينظر الإسلام إلى إصلاح النفس من الداخل أولا، فقد جعل الشرع الحنيف أعمال القلوب الباطنة مفضلة على أعمال الجوارح الظاهرة؛ لأنه بصلاحها يستقيم كل شيء، وبفسادها وشيوع الفوضى في أقطارها تنغلق دونها كل سبل الإصلاح والتغيير، وفي هذا المعنى يقول الدكتور يوسف القرضاوي: ومن مرجحات العمل في ميزان الدين أن يكون من أعمال القلوب لما يلي:
أولا: لأن الأعمال الظاهرة نفسها لا تُقبل عند الله تعالى ما لم يصحبها عمل باطن هو أساس القبول، وهو النية، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه.
وثانيًا: لأن القلب هو حقيقة الإنسان، ومدار صلاحه أو فساده عليه، فالنجاة من خزي يوم القيامة لمن أتى الله بقلب سليم وتقوى الله تعالى التي هي وصية الله للأولين والآخرين.
ثم إن كل الأخلاق والفضائل والمقامات الربانية التي عني بها رجال السلوك ودعاة التربية الروحية، جميعها أمور تتعلق بالقلوب: من إيثار الآخرة، والإخلاص لله، والصبر على بلائه، والمراقبة له سبحانه... ونحوها؛ ولهذا نعجب من تركيز بعض المتدينين عامة -والدعاة خاصة- على بعض الأعمال والآداب التي تتعلق بالظاهر أكثر من الباطن، مثل: عدد درجات المنبر، وطريقة وضع اليدين في الصلاة، إلى غير ذلك من الأمور التي تتعلق بالصورة والشكل أكثر مما تتعلق بالجوهر والروح، فهذه -مهما يكن وضعها- لا تأخذ الأولوية في الدين.
إن أول ما ينبغي الاهتمام به في مجال المأمورات الشرعية هو تقديم الأصول على الفروع، ونعني بذلك تقديم ما يتصل بالإيمان بالله تعالى وتوحيده، فالإيمان هو الأصل والعمل فرع عنه، فالعمل الذي لم يؤسس على إيمان صحيح لا وزن له عند الله؛ لهذا كان الأمر الأحق بالتقديم والأولى بالعناية من غيره هو تعميق بذور الإيمان بالله في القلوب حتى تؤتي أكلها.
يقول المحقق ابن القيم: "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس مَن نور هذه الكلمة في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم مَن نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف؛ ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملاً، ومعرفة وحالا".
ثم يقول رحمه الله: "فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض".
ثم إن الأعمال نفسها تتفاوت رتبتها، فهناك الفرائض المحكمة، وهناك الواجبات الملزمة، ثم السنن المؤكدة والمندوبات المستحبة، والفقه يقتضي أن نقدم الأوجب على الواجب، والواجب على المستحب، وقد كان النهج النبوي في التعليم: التركيز على الأركان والأساسيات، لا على الجزئيات والتفصيلات التي لا تتناهى.
إن الاستمرار على هذا النموذج السطحي ضلالة توشك أن تحرق كل شيء، بل توشك أن تكون ردة على الدين، نعم أعطينا القضايا الجزئية كل الاهتمام الفكري والانفعال الوجداني، حتى لم يَعُد لدينا وقت للارتقاء بأنفسنا، ومن ثَم للارتقاء بالجماهير، فتلك القضايا لا يمكن أن تجتمع الأمة على رأي فيها، ثم هي في الغالب لا تزيل غشاوة، ولا ترفع غباوة.
فلو وضعنا جميع النوافل في كفة وتحكيم شرع الله والتمكين لدينه في كفة لرجح الأخير، وعلى هذا فلا يليق بمؤمن الاشتغال ببعض الجزئيات، يقضي فيها سحابة عمره، ثم يعيش مداهنًا لأوضاع عاهرة.
خلاصة القول أننا نريد الاهتمام بما اهتم به القرآن الكريم، والالتقاء حول الأصول وهي كثيـرة، فما من أصل من الأصول التي تجمع الأمة وتمكّن لها في الأرض إلا وجدته في القرآن الكريم. إن قضية الإدراك الصحيح للنصوص والموازنة بينها هي المدخل الأصيل إلى فقه الدعوة في عصرنا، وهي كذلك مفتاح الرشد في التعامل مع الذات، ومع الواقع بكل علله ومتناقضاته.
فهل نتأمل خريطتنا الفكرية والوجدانية؛ لنصحح تصوراتنا، ونعيد التوازن لأفكارنا ومشاعرنا، أم نظل سابحين في بحر الظلمات، نلتمس فجرًا صادقًا للدعوة، فلا نجد إلا السراب
كثيرًا ما يُبتلى المرء بأناس يتحدثون عن الإسلام حديثًا عجبًا، ويخلطون بين تعاليمه خلطًا منكرًا غريبًا، فالأمور الفقهية الخلافية الصغيرة أمست من أمهات المسائل، ومما يزيد الأمر سوءًا أنه يمزج نصائحه بالغلظة والتشنج، فلا سناء في الفكر، ولا رقة في السلوك.
وحين أُبتَلى بلقاء مثل هؤلاء الأناس أقول في نفسي: أبو حنيفة لكن بغير فقه! يا مسكين..ألا توجد مشاكل أولى بالرعاية والتشنج؟! أهذا هو القلق الحضاري الذي سيطر على عقلك ووجدانك ؟!، ألا يوجد طريق لتعليم الناس وإرشادهم غير طريق الغلظة وأسلوب القسوة في المعاملة؟!
لكن لا ألبث أن أحدّث نفسي في التماس العذر لهم، فنحن أمام مريض وضحية، مريض يهذي من الحمى ويرفض الاعتراف بأنه مريض، وضحية لأوضاع فكرية مقلوبة؛ لأن الاستمرار في إنتاج هذه الأفكار الميتة يعني أننا لا زلنا في فجر الدعوة الكاذب، ومن ثَم فإن أوضاعنا المزرية سوف تستمر ويعاد استنساخها وإنتاجها حتى يشرق فجرٌ صحيح.
فقه مراتب الأعمال
إن الإدراك الصحيح للنصوص والموازنة بينها والمعارضة والترجيح، ثم وضع كل نص في محله - شيء لا بد منه كنقطة انطلاق للداعية الناجح، فإن الحق الذي نملكه والذي شرفنا الله به جليل الشأن رفيع المنزلة؛ إذ هو الصيغة الربانية الأخيرة إلى الناس كافة، ومن ثَم فقد أوجب الله على معتنقيه والدعاة إليه حسن الفقه فيه لتقديمه للناس أفكارًا واضحة، تغري الناس بالإيمان وتشرح الصدور للإسلام.إن هناك تفاضلية في الأعمال ولا شك، والقرآن الكريم والسنة الصحيحة فيهما أدلة لا تحصى في هذا المضمار، فالقرآن الكريم يفاضل في مجال الصدقات: "إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُم" [البقرة: 271]، فصدقة السر أفضل وأعلى.
وفي تفاضل الأيام والأزمنة يقول تعالى: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" [القدر: 3]، نعم إن حفظ النصوص علم، لكن ملكة الاستنباط والقدرة عليه ووضع النصوص في محلها، كل ذلك معنى زائد على العلم، وهبة خاصة من الله تعالى لأحد العباد، وقد أشارت النصوص إلى هذا المعنى، قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ" [النساء: 83]، هذا في فهم النصوص، وفي فقه المواقف اليومية، فالصحابة مثلا كان بينهم العالم والأعلم، فالأعلم بالقرآن ابن عباس، والأعلم بالفرائض زيد، وهكـذا...
إن معرفة كليات الشريعة ووضع مقاصدها في المقام الأول شيء لا مندوحة عنه البتة، إنها من أوجب الواجبات في عصرنا، ومن ثَم فإعادة الاعتبار إليها ووضعها في بؤرة الشعور هو العلاج الحاسم لإعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر؛ لأن هاهنا إعادة ترتيب موازينه وأولوياته، وتصحيح خريطته المقلوبة المضطربة، وتلك قضية القضايا.
قواعد ترتيب الأولويات
وقد وضع الفقهاء عددًا من القواعد التي تعين على ذلك، منها قواعد كلية وأخرى تتفرع عنها، ومن القواعد الكلية والقواعد المتفرعة عنها ما يلي:
- قاعدة الأمور بمقاصدها، ويتفرّع منها العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
- قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ويتفرّع عنها الضرر يدفع بقدر الإمكان، الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، يختار أهون الشرّين، إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.
- قاعدة الاجتهاد لا يُنقض بمثله.
إننا غالبًا ما نضحي بأعمال كبيرة لإيثار أشياء صغيرة، وكثيرًا ما نعمل على تقديم المرجوح المختلف فيه، وتأخير الراجح المتفق عليه! فالفقهاء يقررون الآتي عند الترجيح: "احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما".
قال الطوفي، كما ورد في الموسوعة الفقهية: "إن العمل بالأرجح متعين عقلاً وشرعًا، وقد عمل الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأب العقل والشرع حيث احتاجا إليه"، ومن القواعد التي أوردها الزركشي صاحب "المنثور في القواعد": أنه لو تعارض الواجب والمحظور يقدم الواجب، فلو أسلمت المرأة وجب عليها الهجرة إلى دار الإسلام، ولو سافرت وحدها.
ومن القواعد: ما لو تعارض واجبان قُدم آكدهما، فيقدم فرض العين على فرض الكفاية، فالطائف حول الكعبة لا يقطع الطواف لصلاة الجنازة، وذكر الزركشي كذلك: إذا تعارض الواجب والمسنون وضاق الوقت عن المسنون يترك تقديمًا لمصلحة الواجب.
تفاوت رتب الأعمال
وفي تفاوت رتب الأعمال بتفاوت رتب المصالح والمفاسد جاء في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للفقيه الكبير العز بن عبد السلام: "وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد؛ لذلك انقسمت الطاعات لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل، وانقسمت المعاصي إلى الكبيـر والأكبر؛ لانقسام مفاسدها إلى الرذيل والأرذل، والفاضل والأفضل".وقال في بيان رتب المصالح وهي ضربان:
أحدهما مصلحة أوجبها الله عز وجل لعباده، وهي متفاوتة الرتب منقسمة إلى الفاضل والأفضل والمتوسط بينهما، فأفضل المصالح ما كان شريفًا في نفسه، دافعًا لأقبح المفاسد، جالبًا لأرجح المصالح، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"، متفق عليه.
فانظر كيف جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه، وجعل فريضة الجهاد تلو الإيمان،؛ لأنه ليس بشريف في نفسه، وإنما أوجب وجوب الوسائل، وفوائده ضربان: العاجلة والآجلة، فأما مصالحه العاجلة فإعزاز الدين، ودرء الكفر ومحق الطغيان، وأما المصالح الآجلة فالأجر العظيم من الله تعالى.
وجعل الحج في الرتبة الثالثة لنزول مصالحه عن مصالح الجهاد، ثم يقول: "ولا تزال رتب المصالح الواجبة من رتبة إلى رتبة لو تناقصت لانتهينا إلى رتب المصالح المندوبات، وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به في المصالح والمنهي عنه في المفاسد".
تلك الدرر التي تمتلئ بها كتبنا القديمة يسَّرت لنا معرفة أحكام الشريعة بمناسيبها المعتادة، لكن بقي في أعناق المربين وأولي الألباب نقل ذلك الفقه من بطون الكتب إلى أعماق الأفئـدة، فإن الشعوب تشيع بينها أخطاء قاتلة، وأمراض مزمنة، لا تعالج بسطحية وارتجال.
الأولويات التربوية والدعوية
في كل من أمور الدين والدنيا هناك أولويات أحق بالرعاية والتقديم، فهناك أولويات في العلم؛ إذ ليس العلم رتبة واحدة، وهناك أولويات في الأمر بالمعروف، وأولويات في مجال النهي، وهناك أولويات في مجال الإصلاح والتقويم، وأولويات النفس وحق التربية هي الأهم.ينظر الإسلام إلى إصلاح النفس من الداخل أولا، فقد جعل الشرع الحنيف أعمال القلوب الباطنة مفضلة على أعمال الجوارح الظاهرة؛ لأنه بصلاحها يستقيم كل شيء، وبفسادها وشيوع الفوضى في أقطارها تنغلق دونها كل سبل الإصلاح والتغيير، وفي هذا المعنى يقول الدكتور يوسف القرضاوي: ومن مرجحات العمل في ميزان الدين أن يكون من أعمال القلوب لما يلي:
أولا: لأن الأعمال الظاهرة نفسها لا تُقبل عند الله تعالى ما لم يصحبها عمل باطن هو أساس القبول، وهو النية، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه.
وثانيًا: لأن القلب هو حقيقة الإنسان، ومدار صلاحه أو فساده عليه، فالنجاة من خزي يوم القيامة لمن أتى الله بقلب سليم وتقوى الله تعالى التي هي وصية الله للأولين والآخرين.
ثم إن كل الأخلاق والفضائل والمقامات الربانية التي عني بها رجال السلوك ودعاة التربية الروحية، جميعها أمور تتعلق بالقلوب: من إيثار الآخرة، والإخلاص لله، والصبر على بلائه، والمراقبة له سبحانه... ونحوها؛ ولهذا نعجب من تركيز بعض المتدينين عامة -والدعاة خاصة- على بعض الأعمال والآداب التي تتعلق بالظاهر أكثر من الباطن، مثل: عدد درجات المنبر، وطريقة وضع اليدين في الصلاة، إلى غير ذلك من الأمور التي تتعلق بالصورة والشكل أكثر مما تتعلق بالجوهر والروح، فهذه -مهما يكن وضعها- لا تأخذ الأولوية في الدين.
إن أول ما ينبغي الاهتمام به في مجال المأمورات الشرعية هو تقديم الأصول على الفروع، ونعني بذلك تقديم ما يتصل بالإيمان بالله تعالى وتوحيده، فالإيمان هو الأصل والعمل فرع عنه، فالعمل الذي لم يؤسس على إيمان صحيح لا وزن له عند الله؛ لهذا كان الأمر الأحق بالتقديم والأولى بالعناية من غيره هو تعميق بذور الإيمان بالله في القلوب حتى تؤتي أكلها.
يقول المحقق ابن القيم: "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن الناس مَن نور هذه الكلمة في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم مَن نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف؛ ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملاً، ومعرفة وحالا".
ثم يقول رحمه الله: "فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض".
ثم إن الأعمال نفسها تتفاوت رتبتها، فهناك الفرائض المحكمة، وهناك الواجبات الملزمة، ثم السنن المؤكدة والمندوبات المستحبة، والفقه يقتضي أن نقدم الأوجب على الواجب، والواجب على المستحب، وقد كان النهج النبوي في التعليم: التركيز على الأركان والأساسيات، لا على الجزئيات والتفصيلات التي لا تتناهى.
إن الاستمرار على هذا النموذج السطحي ضلالة توشك أن تحرق كل شيء، بل توشك أن تكون ردة على الدين، نعم أعطينا القضايا الجزئية كل الاهتمام الفكري والانفعال الوجداني، حتى لم يَعُد لدينا وقت للارتقاء بأنفسنا، ومن ثَم للارتقاء بالجماهير، فتلك القضايا لا يمكن أن تجتمع الأمة على رأي فيها، ثم هي في الغالب لا تزيل غشاوة، ولا ترفع غباوة.
فلو وضعنا جميع النوافل في كفة وتحكيم شرع الله والتمكين لدينه في كفة لرجح الأخير، وعلى هذا فلا يليق بمؤمن الاشتغال ببعض الجزئيات، يقضي فيها سحابة عمره، ثم يعيش مداهنًا لأوضاع عاهرة.
خلاصة القول أننا نريد الاهتمام بما اهتم به القرآن الكريم، والالتقاء حول الأصول وهي كثيـرة، فما من أصل من الأصول التي تجمع الأمة وتمكّن لها في الأرض إلا وجدته في القرآن الكريم. إن قضية الإدراك الصحيح للنصوص والموازنة بينها هي المدخل الأصيل إلى فقه الدعوة في عصرنا، وهي كذلك مفتاح الرشد في التعامل مع الذات، ومع الواقع بكل علله ومتناقضاته.
فهل نتأمل خريطتنا الفكرية والوجدانية؛ لنصحح تصوراتنا، ونعيد التوازن لأفكارنا ومشاعرنا، أم نظل سابحين في بحر الظلمات، نلتمس فجرًا صادقًا للدعوة، فلا نجد إلا السراب
كتبها محب الحبيب علي في 05:14 صباحاً ::
تعليق واحد
في11,أيار,2008 - 04:37 مساءً, مجهول كتبها ...
شكرا على هذه المقالة
الاسم: محب الحبيب علي 