http://al7ewar.net/forum
الحوار الإسلامي

بسم الله الرّحمن الرّحيم (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكّر أولو الالباب) هذه المدونة هي التعريف الصحيح إن شاء الله تعالى للتصوف الحق البعيد عن الغلو وعن التشدد والشطح. لنوصل المعلومة الصحيحة والفائدة الجيدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين).

الأربعاء,أيار 14, 2008



471lan

ضوابط القبول والرد :


ومن جهة أخرى فإن حكاية الكرامة هى من قبيل الرواية التى تتطلب النظر فى إسنادها وثبوت صحتها شأنها شأن كل المرويات ، ولهذا فإننا نتوقف فى كثير مما روى من الكرامات عن الأولياء سواء فى ذلك سيدى أبى مدين أو غيره ، مطالبين بتطبيق المعايير العلمية الدقيقة فى قبول ذلك أو رده ، مؤكدين على أن القول بجواز الكرامة ووقوعها لا يعنى إطلاقا قبول كل ما يحكى دون تثبت ، ولا يعنى كون الكرامة أمرا خارقا للعادة قبول كل ما يحكى مما يمج سماعه وتسمج حكايته ، ولهذا فلا نرى قبول ذلك كله وإيراده ولا رفض ذلك كله ورده ولكنا نرى نقده وتمحيصه .


ولهذا لا نوافق محقق نيل الابتهاج([1]) فى التمريض العام لما يحكى بقوله : وما ورد هنا من القصص الصوفية يساق على علاته لصلته بتاريخ الرجل .

وإن كنا نوافقه فى صحة السبب الذى تساق لأجله تلك القصص فإن بعض ما يحكى رغم ضعفه يبقى له أنه على صلة بتاريخ الرجل ، وأنه أيضا يعبر عن ثقافة تلك العصور ، وما يدور فى الأوساط الصوفية من أفكار وتصورات .

ويعجبنا فى هذا المقام المنهج الذى استنه التادلى فى مقدمة التشوف إلى معرفة رجال التصوف حيث يقول : ((ولما خفى عن كثير علم من كان بحضرة مراكش من الصالحين ومن قدمها من أكابر الفضلاء رأيت أن أفرغ لذلك وقتا أجمع فيه طائفة أدون أخبارهم ... وتحريت فى نقل ذلك عن أهل الثقة والأمانة والخير والصلاح والمستورين ما استطعت ، وربما ذكرت بإسنادى ما نقلته من ذلك ، وربما سمعت الخبر من عدة طرق بألفاظ كثيرة فاعتمدت على أصحها سندا وأقربها إلى الصواب لفظا ...))([2]) .

ويقول فى خاتمة كتابه : ((... قد أتيت بحمد الله تعالى على ما انتهى إلى من ذكر عباد الله وإمائه الصالحين نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا فى زمرتهم وقد أذنت لمن وقف على وهم أو غلط أن يصلحه فإنى قد تحريت فى نقل ما أثبته وما أبرئ نفسى من سهو وغفلة ...))([3]) .

وقد قام بتطبيق منهجه قدر طاقته ، وسار على طريقة المحدثين من ذكر السند أو الإحالة على من أسند الخبر ليخرج من عهدته وفى ذلك يقول : اعلم أنى إنما ذكرت من الكرامات ما ورد عن الصحابة وكبار التابعين لأن كثيرا من المنكرين لها يقولون :
لم يرد شىء من هذا عن الصحابة فكيف يصح عن غيرهم ؟! ولو قصدت استيعاب ما ورد منها عن الصدر الأول لكان كتابا مستقلا وإنما ذكرت المشهور المنقول من الأمهات وقد نسبت كل خبر منها إلى مخرجها لأخرج عن عهدته ...([4]) .


ومن هنا سنجد أن الكرامات التى رواها التادلى عن تلاميذ أبى مدين فى ترجمته أو غيرها من المواضع من كتاب التشوف قليلة العدد ربما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، مع بعدها عن التكلف ، بخلاف ما أورده الشيخ النبهانى رحمه الله تعالى فى جامع كرامات الأولياء([5]) والذى حاول فيه جمع كل ما وقف عليه .

ويؤكد ما قلناه من وجوب نقد الراويات والنظر فى صحتها وقوع الاختلاف والتناقض فى ألفاظ كثير مما يروى ، ومثاله بخصوص الشيخ أبى مدين رحمه الله تعالى ما وقع من تناقض فى تفاصيل العديد مما يحكى عنه بين المصادر التى ذكرتها : كقصته مع الغزالة التى كانت تؤنسه فى خلوته ، وكقصته مع العجوز التى دخل عليها فى سياحته ، وكقصة الأسد الذى أكل حمار رجل فقير محتاج ، وكقصته مع سلطان المغرب فى سياق الحديث عن وفاته وغير ذلك مما سيأتى فيما بعد .

وقد بات واضحا من النظر فى هذه الكرامات أن كثيرا مما يحكى منها لا نقف له على إسناد ، وأنه يذكر فى مصادر بينها وبين الشيخ أبى مدين عشرات أو مئات السنين .
ومن جهة أخرى فإن الموقف الناقد من الكرامات هو موقف شيوخ التصوف الراسخين من قدم على ما سبق بيانه .

ولعله من المهم فى هذا المقام أن نعرض لموقف رجل من كبار أهل العلم ومن كبار أهل الطريق لما فيه من الإنصاف والبعد عن الغلو .

فقد ألف الشيخ عبد الله بن الصديق الغمارى([6]) كتابا نفيسا فى الكرامات سماه : "الحجج البينات فى إثبات الكرامات"([7]) ، وناقش كل ما دار حول الموضوع ، وقد أشار إلى شرطه فى كتاب آخر له فقال : مع تخريج الأسانيد وتوخى الصحة بغاية الدقة([8]) ، وقد أطال فيه النفس وأجاد رحمه الله ، وكان مما قاله : "... ولكن غرضى التنبيه على ما كثر من الأكاذيب حول الأولياء والكرامات مما يدعو إلى كثير من التحفظ والاحتراس مع اليقظة والتحرى وإن من الحزم سوء الظن ..."([9]) ، ثم نعى بعد ذلك على قليلى الدين ضعفاء الإيمان الذين يستبعدون كثيرا من المعجزات والكرامات ويصدقون ما يرد عن الغربيين ولو كان أشبه بالخيال منه بالواقع([10]) .

وكان للشيخ الغمارى فضلا عن ذلك موقف حاسم فى هذا الموضوع فى رسالته : "أولياء وكرامات أو النقد المبرم لرسالة الشرف المحتم" ، وهو نقد لرسالة الشرف المحتم فيما من الله به على وليه السيد أحمد الرفاعى من تقبيل يد النبى المكرم المنسوبة للسيوطى([11]) . ومما ذكره الشيخ الغمارى أن الناس فى هذا الوقت لا يعرفون الاعتدال فإما أن يعتقدوا ما يحكى عن الأولياء جميعه لا يفرقون بين غثه وسمينه وإذا أنكر الشخص بعض الكرامات التى اقتضى الدليل بطلانها اعتبروه وهابيا وناصبوه العداء ، وإما أن ينكروا الأولياء وكراماتهم جملة ويعتبروا معتقد ذلك مخرفا كبيرا والحق خلاف هذين الطريقين .

واختار فى تعريف الكرامة : أنها الأمر الخارق الذى يظهر على يد رجل صالح فى زمن التكليف ويكون دليلا على تمسكه بالشريعة وعمله بأحكامها وآدابها([12]) .

ومن الضوابط التى قررها الشيخ الغمارى أن الكرامات لا تخرج عن دائرة الإمكان ، قال : والذين يحكون هذه المستحيلات غير مدركين ما فيها من مناقضة لقضايا العقول يفتحون على أنفسهم وعلى الأولياء بابا للطعن الشديد([13]) .

وأكد ذلك فى موضع آخر : أنه لم يقع المحال العقلى كرامة لولى قط([14]).
ومن الضوابط التى قررها : أن التضارب بين روايات الكرامة دليل على الكذب([15]) .
ومن الضوابط التى ذكرها : أن الغرض من ترجمة الولى وذكر بعض كراماته الاعتبار بما قدم من أعمال صالحة والاقتداء به ، والمجذوب ليس أهلا للقدوة .
والحاصل أنه لا ينكر الكل ولا يقبل الكل ، ولكن يقبل مع التحفظ والاحتراس مع اليقظة والتحرى كما قال الشيخ عبد الله بن الصديق .



وختاما فإن قضية الكرامة قد احتلت مساحة ليست بالضيقة فى الوسط الصوفى وعلى مدى قرون طويلة ، وارتبط بها كثير من الممارسات غير الصحيحة ، ولا شك أن معالجة هذه القضية ووضعها فى إطار صحيح يساعد على إصلاح بعض ما اختل من شأن الطريق ، ويرد عنه شيئا مما اعترض به منتقدو التصوف ، والذين سلكوا مسلكا غير سوى بعدم رجوعهم إلى محققى القوم وأئمتهم ، وبنوا نقدهم على من ليس بحجة على الطريق ، بل الطريق حجة عليهم بما شيد به من أصول الكتاب والسنة .

والله أعلم




المراجع
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) نيل الابتهاج ، أشرف على تحقيقه عبد الحميد عبد الله الهرامة ، ليبيا : منشورات كلية الدعوة – طرابلس ، (هامش ص 193) .
([2]) التشوف (ص 33 – 34) .
([3]) التشوف (ص 449 – 450) .
([4]) التشوف (ص 56) .
([5]) جامع كرامات الأولياء للنبهانى ، (2/117-120) .
([6])أحد كبار علماء القرن درس بالمغرب ، ورحل إلى مصر فأخذ عن علمائها وتخرج فى الأزهر الشريف ، ومهر فى علم الحديث والفقه وكان ينحو إلى الاجتهاد والنظر فى الأدلة والترجيح وعدم التعصب لمذهب ، وأقام بمصر طويلا ، وتولى مشيخة الطريقة الصديقية الشاذلية بطنجة بعد وفاة أخوه الحافظ أحمد بن الصديق ، وقد ترجم لنفسه فى سبيل التوفيق فى ترجمة عبد الله بن الصديق ، القاهرة : مط الدار البيضاء ، 1990 م . وقد توفى رحمه الله تعالى سنة 1413 هـ .
([7])نشر بالقاهرة ، مط دار التأليف ، د ت ، (188 ص) .
([8])انظر : الإعلام بأن التصوف من شريعة الإسلام ، بتحقيق عصام محمد الصارى ، القاهرة : مكتبة القاهرة ، ط1 ، 1419 هـ / 1998 م ، (ص 46) .
([9])الحجج البينات ، (ص 168) .
([10])الحجج البينات ، (ص 169) .
([11])نشر مكتبة القاهرة ط 1 ، 1419 هـ / 1998 م . هذه الرسالة ضاعت فى حياة الشيخ ، حتى عدها الشيخ مفقودة وحكى قصتها فى سبيل التوفيق (ص 132) ، ثم وجدها ابن الناشر فى مخزن المكتبة ، وطبعت بعد وفاة مؤلفها بست سنين .
([12])أولياء وكرامات (ص 27) .
([13])أولياء وكرامات (ص 28 ، 43) .
([14])رفع الإشكال عن مسألة المحال ، لعبد الله بن الصديق . القاهرة : د ن ، مط هجر ، ط 1 ، 1408 هـ / 1987 م ، (ص 34) . وذكر نحوه فى أولياء وكرامات (ص 44) .
([15])أولياء وكرامات (ص 37) .




www.al7ewar.net