
محيي الدين ابو بكر محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي، الملقب بابن عربي، والمعروف بالشيخ الاكبر، المولود سنة 560 هجرية بمرسية، والمتوفى سنة 638 هجرية بدمشق، رجل تعددت رحلاته من الاندلس الى الشام، وتنوعت تآليفه ومصنفاته، من الرسائل القصار الى المدونات المشتملة على عشرات المجلدات، وتحيرت ألباب العلماء فيه من ناقم عليه مكفر له، الى داع اليه محدث بفضائله. ومع الشهرة الواسعة، طويلة الامد، التي نالتها كتب ابن عربي ورسائله الصوفية، فإن كتابين بالذات من اعماله، كان لهما النصيب الاوفر من الاهمية والمكانة في نفوس مادحيه وقادحيه واذهان الباحثين على مر القرون، هما: الفتوحات المكية، وفصوص الحكم.
وقد اختلف اهل العلم اختلافاً بيناً في تقويم ابن عربي، فالبعض يصر على تكفير ابن عربي، مختاراً رأي من سبقه الى ذلك، وفي المقابل نرى آخرين لا يقبلون بأي اساءة للشيخ الاكبر، متمشين مع رأي الذين مدحوا ابن عربي. والحق يقال: كل من ارتضى قول غيره، لا يعني ذلك ان المتبوع قد اطلع على الغيب، وعلم بالحق، فكان ذلك هو السبب في اتباع قوله. وبناءً عليه: لا يحق لصاحب القول المتبوع ولا لتابعيه ان يقصوا الرأي المخالف لهم ما دام الرأي الآخر محتملاً للصواب متى ما كان له مدرك مقبول، والا لنسبنا النقص الى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما لم يبين الحق للجماعة الذين صلوا العصر بعد المغرب في بني قريظة، او للذين صلوا العصر في الطريق مخالفين امره النبوي بصلاة العصر في بني قريظة. هذا من وجه، ومن وجه آخر: فقاعدة علماء الجرح والتعديل تقضي بحمل ما يصدر عن المسلم عن احسن حال ما دام الغالب من حاله الصلاح والتقوى. ومن تتبع كلام القادحين في ابن عربي سيرى وضوح هذا الامر عندهم، فهم على مخالفتهم له يلتمسون له حسن الخاتمة والصلاح، بخلاف بعض كتابنا المعاصرين، ممن نصبوا انفسهم حكاماً في دين الله، يلمزون ويطعنون في ابن عربي، ويصنفونه بأنه حقير، كذاب زنديق، فاسد، ضال، وبقي عليهم ان يرموه بالكفر، يصيدون في الماء العكر كل من خالف رأيهم، ويمشون وراء كل ناعق، والله المستعان، ومن وجه ثالث: فنحن لنا الظاهر، والله يتولى السرائر، ولربما اخترنا رأي الفريق المضلل لابن عربي، الا ان ذلك لا يعني وجوب المقاتلة دون هذا الرأي في العلن، فنظام الحكم والحسبة في التشريع الاسلامي لا يقوم بهما جهال الناس وكتابهم، بل ذلك منصب شريف، يقوم به العلماء والحكام.
ومن ابرز من قدح في ابن عربي: ابن تيمية وتلاميذه، فيقول ابن تيمية في كتابه الرد الاقوم على ما في فصوص الحكم: «ما تضمنه كتابُ فُصُوص الحُكْم» وما شاكله من الكلام: فإنه كُفْري باطناً وظاهراً، وباطنهُ اقبحُ من ظاهره»، ويقول في مجموع الفتاوى: «المقالة الاولى مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم. وهي مع كونها كُفْراً فهو اقربهم الى الاسلام لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيراً، ولانه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وانما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل اخرى. والله اعلم بما مات عليه».
ويقول الذهبي «تلميذ ابن تيمية» في ترجمة ابن عربي في سير اعلام النبلاء: «العلامة، صاحب التواليف الكثيرة، محيي الدين، ابو بكر محمد بن علي بن محمد احمد الطائي، الحاتمي، المرسي، ابن العربي، نزيل دمشق. وسكن الروم مدة، وكان ذكياً، كثير العلم، كتب الانشاء لبعض الامراء بالمغرب، ثم تزهد وتفرد، وتعبد وتوحد، وسافر وتجرد، واتهم وانجد، وعمل الخلوات، وعلق شيئاً كثيراً في تصوف اهل الوحدة. ومن اردا تواليفه كتاب «الفصوص»، فإن كان لا كُفْر فيه، فما في الدنيا كُفْري، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله! وقد عظمه جماعة، وتكلفوا لما صدر منه ببعيد الاحتمالات، وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا، انه سمع الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام يقول عن ابن العربي: شيخ سوء، كذاب يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجاً. قلت: ان كان محيي الدين رجع عن مقالاته تلك قبل الموت، فقد فاز، وما ذلك على الله بعزيز، وله شعر رائق، وعلم واسع، وذهن وقاد، ولا ريب ان كثيراً من عباراته له تأويل الا كتاب «الفصوص».
ويضيف عليهم ابن كثير «تلميذ ابن تيمية» فيقول: «محيي الدين بن عربي صاحب الفصوص وغيره، محمد ابن علي بن محمد بن عربي، ابو عبدالله الطائي الاندلسي، طاف البلاد واقام بمكة مدة، وصنف فيها كتابه المسمى بـ «الفتوحات المكية» في نحو عشرين مجلداً. فيها ما يعقل وما لا يعقل، وما ينكر وما لا ينكر، وما يعرف وما لا يعرف، وله كتابه المسمى «فصوص الحكم» فيه اشياء كثيرة، ظاهرياً كفر صريح، وله كتاب «العبادلة»، وديوان شعر رائق، وله مصنفات أُخر كثيرة جداً، واقام بدمشق مدة طويلة قبل وفاته، وكان بنو الزكي لهم عليه اشتمال وبه احتفال ولجميع ما يقول احتمال.
ومن ابرز من مدح في ابن عربي: الشعراني في كتابه «لطائف المنن والاخلاق» حين يقول: «وقد نقل الشيخ محيي الدين ابن العربي في الفتوحات المكية اجماع المحققين على ان من شرط الكامل ان لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة ابداً، بل يرى ان من الواجب عليه ان يحق الحق ويبطل الباطل ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما امكن.
ومع ذلك يصرح قائلاً: «وليحذر ايضاً من مطالعة كتب الشيخ محيي الدين ابن العربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لاسيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد اخبرني الشيخ ابو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة انه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين من الامور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة. قلت: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل من يخالف ظاهر الشريعة فلما اخبرت بأنهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد علي الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات المكية التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم اجد فيها شيئاً من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح فالحمد لله على ذلك».
ويقول الشيخ ابو الهدى الصيادي في «مراحل السالكين»: «والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكاً بمطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن عربي طاب مرقده، ولابدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم، والله تعالى قال: (لا تقفُ ما ليس لك به علم)، وقد نسبوا اعني الدساسين للشيخ مالا يصح لا عقلاً ولا شرعاً، ولا ينطبق على حكمة نظرية ولا يوافق القواعد العرفانية». ثم يقول: والحق يقال: الذي عليه اهل الورع من علماء الدين انه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء، لانا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه ولا من استمراره عليه الى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر».
نموذج من عقيدة ابن عربي من كتبه التي تأبى بعض ما نسب اليه او دس في كتبه:
1 - قال ابن عربي في باب «سر الاسرار» من كتاب الفتوحات المكية ما نصه: «لا يجوز لعارف ان يقول: انا الله، ولو بلغ اقصى درجات القرب، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه، انما يقول: انا العبد الذليل في المسير والمقيل».
2 - وقال في باب التاسع والستين ومائة: «القديم لا يكون قط محلاً للحوادث، ولا يكون حالا في المحدث، وانما الوجود الحادث والقديم مربوط بعضه ببعض ربط اضافة وحكم، لاربط وجود عين بعين، فإن الرب لا يجتمع مع عبده في مرتبة واحدة ابداً، وغاية الامر ان يجتمع بين العبد والرب في الوجود، وليس ذلك بجامع، انما يكون الجامع بين العبد والرب بنسبة المعنى الى كل واحد منهما على حد نسبته الى الآخر، ولسنا نعني اطلاق الالفاظ، ومعلوم ان نسبة المعنى الى كل واحد منهما على حد نسبته الى الآخر غير موجودة.
3 - وقال في «باب الاسرار»: انت انت وهو هو، فإياك ان تقول كما قال العاشق: انا من اهوى ومن اهوى انا، فهل هذا يرد العين واحدة؟ لا والله ما استطاع، فإنه جهل، والجهل لا يتعقل حقاً، ولابد لكل احد من غطاء ينكشف عند لقاء الله.
4 - وقال فيه ايضاً: اياك ان تقول: انا هو، وتغالط، فإنك لو كنت هو لأحطت به كما احاط تعالى بنفسه، ولم تجهله في مرتبة من مراتب التنكرات.
5 - وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة: ان العالم ما هو عين الحق ولا حل فيه الحق، اذ لو كان عين الحق او حل فيه لما كان تعالى قديماً ولا بديعاً.
وبعد: فهذا غيض من فيض، ولست معتقداً بما يوجد في الفتوحات المكية او فصوص الحكم مما يخالف ظاهر الشريعة، ولا مجيزاً القراءة في كتب فيها الكفر البواح مما حرم العلماء قراءتها، حتى لا يعتقدها محب، او ينسب صاحبها للكفر مخالف، كما انني لست بصدد توزيع صكوك العذاب للبشر الى النيران، فكل يصيب ويخطئ، ولكن لنلتمس لغيرنا العذر ان اردنا ان يلتمس غيرنا لنا العذر، ولنقبل بدفاع غيرنا عن انفسهم واحبابهم ومشايخهم، كما ندافع عن انفسنا واحبابنا ومشايخنا، ولا نسمح لانفسهنا بما نعيبه على الآخرين، ولنترفع عن خلافات لم نكن طرفاً فيها، والله اسأل ان يطهر منها ألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا.
كتبها محب الحبيب علي في 06:37 صباحاً ::
الاسم: محب الحبيب علي 