http://al7ewar.net/forum
الحوار الإسلامي

بسم الله الرّحمن الرّحيم (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكّر أولو الالباب) هذه المدونة هي التعريف الصحيح إن شاء الله تعالى للتصوف الحق البعيد عن الغلو وعن التشدد والشطح. لنوصل المعلومة الصحيحة والفائدة الجيدة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين).

الأربعاء,أيار 14, 2008



121074

سيرة لامام عظيم قلّما انجبت النساء مثله ، وقلّما اظلت السماء واقلت الارض من بمنزلته ، انه الامام العلامة الحافظ الحجة ، شيخ المفسرين والمؤرخين محمد بن جرير الطبري رحمه الله ، ولكي اترككم مع هذا الحبر العظيم ، اقول وبالله التوفيق ومنه السداد :


هو عملاق من الرجال أجبر ذاكرة التاريخ على المثول أمامه ، لتلتقط علومه الفريدة ، وأعماله الخالدة ، ومصنفاته الباهرة ، والتي أصبحت فيما بعد منارة للعلماء ، ونبعاً ثرياً لرجال الفكر والمعرفة.
تعرف به :

هو أبو الطَّيِّب الطَّبَرِيّ أبو الطَّيِّب الطَّبَرِيّ ، الإمام العلامة ، شيخ الإسلام ، القاضي أبو الطيب ; طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر ، الطبري الشافعي ، فقيه بغداد .

ولادتـه ونشـأتـه :

إنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، ولد في آخر سنة 224 هـ أو في مطلع سنة 225 هـ .

وكانت ولادته( بآمُل ) عاصمة إقليم طبرستان ـ وتقع جنوب بحر قزوين ـ وهو متسع ممتد تشغل الجبال أكثر مساحته ، وتعتبر ( آمُل ) أكبر مدينة في سهله ، وهي كثيرة المياه ، متهدلة الأشجار متنوعة الثمار ، وقد فُتح هذا الإقليم في عهد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه .

وفي هذه البيئة السهلة اللينة ، المتمردة العاصية ، التي تجمع بين الجبال الشاهقة والسهول المنبسطة ، نشأ محمد بن جرير الطبري ، وما كاد يبلغ السن التي تؤهله للتعليم ، حتى قدمه والده إلى علماء آمل . وشاهدته دروب المدينة ذاهباً آيباً يتأبط دواته وقرطاسه .

وسرعان ما تفتح عقله ، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد ، حتى قال عن نفسه : " حفظت القرآن ولي سبع سنين ، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة ".

وقد رأى أبوه رؤيا في منامه أن ابنه واقف بين يدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار ، وهو يرمي بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقص الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له : " إن ابنك إن كبر نصح في دينه وذبَّ عن شريعة ربه " .

كان أكثر علماء عصره همة في طلب العلم وتحصيله وفي تأليف أمهات الكتب حتى روي أنه كان يكتب أربعين صفحة في كل يوم، إنه الإمام محمد بن جرير الطبري صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ، قال عنه أحمد بن خلكان صاحب وفيات الأعيان:"العلم المجتهد عالم العصر صاحب التصانيف البديعة كان ثقة صادقا حافظا رأسا في التفسير إماما في الفقه والإجماع والاختلاف علامة في التاريخ وأيام الناس عارفا بالقراءات وباللغة وغير ذلك"

فإلى صفحات من سيرته ومواقف من حياته .

حياته العلمية :

بدأ الطبري طلب العلم بعد سنة 240هـ وأكثر الترحال ولقي نبلاء الرجال، قرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد ثم ارتحل منها إلى المدينة المنورة ثم إلى مصر والري وخراسان، واستقر في أواخر أمره ببغداد.

سمع الطبري من العديدين من مشايخ عصره وله رحلات إلى العديد من عواصم العالم الإسلامي التي ازدهرت بعلمائها وعلومها ومنها مصر.

فسمع بجرجان من : أبي أحمد بن الغطريف جزءا تفرد في الدنيا بعُلُوِّه ، وبنيسابور من مفقهه أبي الحسن الماسرجسي ، وببغداد من الدارقطني ، وموسى بن عرفة ، وعلي بن عمر السكري ، والمعافى الجريري .

واستوطن بغداد ، ودرَّس وأفتى وأفاد ، وولي قضاء ربع الكرخ بعد القاضي الصيمرى .

وقال : سرت إلى جرجان للقاء أبي بكر الإسماعيلي ، فقدمتها يوم الخميس ، فدخلت الحمام ، ومن الغد لقيت ولده أبا سعد ، فقال لي : الشيخ قد شرب دواءً لِمَرَضٍ ، وقال لي : تجيء غدا لتسمع منه . فلما كان بكرة السبت ، غدوت ، فإذا الناس يقولون : مات الإسماعيلي .

قال الخطيب : كان شيخنا أبو الطيب ورعا ، عاقلا ، عارفا بالأصول والفروع ، محققا ; حسن الخلق ، صحيح المذهب ، اختلفت إليه ، وعلقت عنه الفقه سنين .

قيل : إن أبا الطيب دفع خفا له إلى من يصلحه ، فمطله ، وبقي كلما جاء ، نقعه في الماء ، وقال : الآن أصلحه . فلما طال ذلك عليه ، قال : إنما دفعته إليك لتصلحه لا لتعلمه السباحة .

قال الخطيب : سمعت محمد بن أحمد المؤدب ، سمعت أبا محمد البافي يقول : أبو الطيب الطبري أفقه من أبي حامد الإسفراييني . وسمعت أبا حامد يقول : أبو الطيب أفقه من أبي محمد البافى .

قال القاضي ابن بكران الشامي : قلت للقاضي أبي الطيب شيخنا وقد عُمِّر : لقد متعت بجوارحك أيها الشيخ ! قال : ولم ؟ وما عصيت الله بواحدة منها قط . أو كما قال . قال غير واحد : سمعنا أبا الطيب يقول : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-

في النوم ، فقلت : يا رسول الله : أرأيت من روى أنك قلت : نضَّر الله امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي ، فَوَعَاهَا أحق هو ؟ قال : نعم .

قال أبو إسحاق في "الطبقات" : ومنهم شيخنا وأستاذنا القاضي أبو الطيب ، توفي عن مائة وسنتين ، لم يختل عقله ، ولا تغير فهمه ، يفتي مع الفقهاء ، ويستدرك عليهم الخطأ ، ويقضي ، ويشهد ويحضر المواكب إلى أن مات . تفقه بآمل على أبي علي الزجاجي صاحب أبي العباس بن القاص . وقرأ على أبي سعد بن الإسماعيلي ، وأبي القاسم بن كج بجرجان ، ثم ارتحل إلى أبي الحسن الماسرجسي وصحبه أربع سنين ، ثم قدم بغداد ، وعلق عن أبي محمد البافي الخوارزمي ; صاحب الداركي ، وحضره مجلس أبي حامد ، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا ، وأشد تحقيقا ، وأجود نظرا منه . شرح "مختصر" المزني ، وصنّف في الخلاف المذهب والأصول والجدل كتبا كثيرة ، ليس لأحد مثلها ، لازمت مجلسه بضع عشرة سنة ، ودرَّستُ أصحابه في مسجده سنين بإذنه ، ورتبني في حلقته ، وسألني أن أجلس للتدريس في سنة ثلاثين وأربع مائة ، ففعلت .

قلت : من وجوه أبي الطيب في المذهب أن خروج المَنِيِّ ينقض الوضوء . ومنها أن الكافر إذا صلى في دار الحرب ، فصلاته إسلام .

قلت : حدث عنه : الخطيب ، وأبو إسحاق ، وابن بكران ، وأبو محمد بن الآبنوسي ، وأحمد بن الحسن الشيرازي ، وأبو سعد بن الطيوري ، وأبو علي بن المهدي ، وأبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أحمد العكبري ، وأبو العز بن كادش ، وأبو المواهب أحمد بن محمد بن ملوك ، وهبة الله بن الحصين ، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري ، وخلق كثير .

قال الخطيب مات صحيح العقل ، ثابت الفهم ، في ربيع الأول ، سنة خمسين وأربعمائة ، وله مائة وسنتان -رحمه الله .

مؤلفات الطبري :

كان الطبري من أكثر علماء عصره نشاطا في التأليف، أشهر مؤلفاته تفسيره المعروف بتفسير الطبري، وكتاب " تاريخ الأمم والملوك " روي عنه أنه قال: استخرت الله وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير قبل أن أعمله ثلاث سنين فأعانني.

قال الحاكم وسمعت أبا بكر بن بالويه يقول قال لي أبو بكر بن خزيمة بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير قلت بلى كتبته عنه إملاء قال كله قلت نعم قال في أي سنة قلت من سنة ثلاث وثمانين ومائتين إلى سنة تسعين ومائتين قال فاستعاره مني أبو بكر ثم رده بعد سنين ثم قال لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.

قال أبو محمد الفرغاني تم من كتب محمد بن جرير كتاب التفسير الذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب كل كتاب يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل وتم من كتبه كتاب التاريخ إلى عصره وتم أيضا كتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين وإلى شيوخه الذين لقيهم وتم له كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام وهو مذهبه الذي اختاره وجوده واحتج له وهو ثلاثة وثمانون كتابا وتم له كتاب القراءات والتنزيل والعدد وتم له كتاب اختلاف علماء الأمصار وتم له كتاب الخفيف في أحكام شرائع الإسلام وهو مختصر لطيف وتم له كتاب التبصير وهو رسالة إلى أهل طبرستان يشرح فيها ما تقلده من أصول الدين وابتدأ بتصنيف كتاب تهذيب الآثار وهو من عجائب كتبه ابتداء بما أسنده الصديق مما صح عنده سنده وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه ثم فقهه واختلاف العلماء وحججهم وما فيه من المعاني والغريب والرد على الملحدين فتم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي وبعض مسند ابن عباس فمات قبل تمامه، قلت هذا لو تم لكان يجيء في مائة مجلد، قال وابتدأ بكتابه البسيط فخرج منه كتاب الطهارة فجاء في نحو من ألف وخمسمائة ورقة لأنه ذكر في كل باب منه اختلاف الصحابة والتابعين وحجة كل قول وخرج منه أيضا أكثر كتاب الصلاة وخرج منه آداب الحكام وكتاب المحاضر والسجلات وكتاب ترتيب العلماء وهو من كتبه النفيسة ابتدأه بآداب النفوس وأقوال الصوفية ولم يتمه وكتاب المناسك وكتاب شرح السنة وهو لطيف بين فيه مذهبه واعتقاده وكتابه المسند المخرج يأتي فيه على جميع ما رواه الصحابي من صحيح وسقيم ولم يتمه ولما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير خم عمل كتاب الفضائل فبدأ بفضل أبي بكر ثم عمر وتكلم على تصحيح حديث غدير خم واحتج لتصحيحه ولم يتم الكتاب.

وقال بعض العلماء: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرا.

أسلوبه في التأليف :

يقول أحمد بن خلكان لأبي جعفر في تأليفه عبارة وبلاغة فمما قاله في كتاب الآداب النفيسة والأخلاق الحميدة القول في البيان عن الحال الذي يجب على العبد مراعاة حاله فيما يصدر من عمله لله عن نفسه قال إنه لا حالة من أحوال المؤمن يغفل عدوه الموكل به عن دعائه إلى سبيله والقعود له رصدا بطرق ربه المستقيمة صادا له عنها كما قال لربه عز ذكره إذ جعله من المنظرين {لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} (الأعراف: 16-17) طمعا منه في تصديق ظنه عليه إذ قال لربه {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} (الإسراء:62) فحق على كل ذي حجى أن يجهد نفسه في تكذيب ظنه وتخييبه منه أمله وسعيه فيما أرغمه ولا شيء من فعل العبد أبلغ في مكروهه من طاعته ربه وعصيانه أمره ولا شيء أسر إليه من عصيانه ربه واتباعه أمره فكلام أبي جعفر من هذا النمط وهو كثير مفيد.

وروي عن أبي سعيد الدينوري مستملي ابن جرير أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعقيدته فمن ذلك وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وهذا تفسير هذا الإمام مشحون في آيات الصفات بأقوال السلف على الإثبات لها لا على النفي والتأويل وأنها لا تشبه صفات المخلوقين أبدا.

ثناء العلماء عليه :

قال أبو سعيد بن يونس: محمد بن جرير من أهل آمل كتب بمصر ورجع إلى بغداد وصنف تصانيف حسنة تدل على سعة علمه.

وقال الخطيب البغدادي: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب كان أحد أئمة العلماء يُحكم بقوله ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين عارفا بأيام الناس وأخبارهم. وكان من أفراد الدهر علما وذكاء وكثرة تصانيف قل أن ترى العيون مثله.

مواقف من حياته :

قيل إن المكتفي أراد أن يحبس وقفا تجتمع عليه أقاويل العلماء فأحضر له ابن جرير فأملى عليهم كتابا لذلك فأخرجت له جائزة فامتنع من قبولها فقيل له لا بد من قضاء حاجة قال اسأل أمير المؤمنين أن يمنع السؤال يوم الجمعة ففعل ذلك وكذا التمس منه الوزير أن يعمل له كتابا في الفقه فألف له كتاب الخفيف فوجه إليه بألف دينار فردها.

وروي عن محمد بن أحمد الصحاف السجستاني سمعت أبا العباس البكري يقول جمعت الرحلة بين ابن جرير وابن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني بمصر فأرملوا ولم يبق عندهم ما يقوتهم وأضر بهم الجوع فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام فخرجت القرعة على ابن خزيمة فقال لأصحابه أمهلوني حتى أصلي صلاة الخيرة قال فاندفع في الصلاة فإذا هم بالشموع ورجل من قبل والي مصر يدق الباب ففتحوا فقال أيكم محمد بن نصر فقيل هو ذا فأخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه ثم قال وأيكم محمد ابن جرير فأعطاه خمسين دينارا وكذلك للروياني وابن خزيمة ثم قال إن الأمير كان قائلا بالأمس فرأى في المنام أن المحامد جياع قد طووا كشحهم فأنفذ إليكم هذه الصرر وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلي أحدكم.

وقال أبو محمد الفرغاني في ذيل تاريخه على تاريخ الطبري قال حدثني أبو علي هارون بن عبد العزيز أن أبا جعفر لما دخل بغداد وكانت معه بضاعة يتقوت منها فسرقت فأفضى به الحال إلى بيع ثيابه وكمي قميصه فقال له بعض أصدقائه تنشط لتأديب بعض ولد الوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان قال نعم فمضى الرجل فأحكم له أمره وعاد فأوصله إلى الوزير بعد أن أعاره ما يلبسه فقربه الوزير ورفع مجلسه وأجرى عليه عشرة دنانير في الشهر فاشترط عليه أوقات طلبه للعلم والصلوات والراحة وسأل استلافه رزق شهر ففعل وأدخل في حجرة التأديب وخرج إليه الصبي وهو أبو يحيى فلما كتبه أخذ الخادم اللوح ودخلوا مستبشرين فلم تبق جارية إلا أهدت إليه صينية فيها دراهم ودنانير فرد الجميع وقال قد شرطت على شيء فلا آخذ سواه فدرى الوزير ذلك فأدخله إليه وسأله فقال هؤلاء عبيد وهم لا يملكون فعظم ذلك في نفسه.

وكان ربما أهدى إليه بعض أصدقائه الشيء فيقبله ويكافئه أضعافا لعظم مروءته. وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدنيا ورفضه لها وقناعته رحمه الله بما كان يرد عليه من حصة من ضيعة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة، و كان ينشد لنفسه:

إذا أعسـرت لم يعلم رفيقي وأستغني فيستغنـي صديقـي

حيائـي حافظ لي ماء وجهي ورفقي في مطالبتـي رفيقي

ولو أني سمحت بماء وجهي لكنت إلى العلى سهل الطريق

وله خلقـان لا أرضى فعالهما بطـر الغنى ومذلـة الفقـر

فإذا غنيت فلا تكـن بطرا وإذا افتقرت فتـِهْ على الدهــر

قال أبو القاسم بن عقيل الوراق: إن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا قالوا كم قدره فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة فقالوا هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه فقال إنا لله ماتت الهمم فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة ولما أن أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.

وكان الطبري لا يقبل المناصب خوفا أن تشغله عن العلم من ناحية ولأن من عادة العلماء البعد عن السلطان من ناحية أخري، فقد روى المراغي قال لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى أبي جعفر الطبري بمال كثير فامتنع من قبوله فعرض عليه القضاء فامتنع فعرض عليه المظالم فأبى فعاتبه أصحابه وقالوا لك في هذا ثواب وتحيي سنة قد درست وطمعوا في قبوله المظالم فذهبوا إليه ليركب معهم لقبول ذلك فانتهرهم وقال قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه قال فانصرفنا خجلين.

وفاته :

قال أبو محمد الفرغاني حدثني أبو بكر الدينوري قال لما كان وقت صلاة الظهر من يوم الاثنين الذي توفي في آخره ابن جرير طلب ماءً ليجدد وضوءه فقيل له تؤخر الظهر تجمع بينها وبين العصر فأبى وصلى الظهر مفردة والعصر في وقتها أتم صلاة وأحسنها، وحضر وقت موته جماعة منهم أبو بكر بن كامل فقيل له قبل خروج روحه يا أبا جعفر أنت الحجة فيما بيننا وبين الله فيما ندين به فهل من شيء توصينا به من أمر ديننا وبينة لنا نرجو بها السلامة في معادنا فقال الذي أدين الله به وأوصيكم هو ما ثبت في كتبي فاعملوا به وعليه وكلاما هذا معناه وأكثر من التشهد وذكر الله عز وجل ومسح يده على وجهه وغمض بصره بيده وبسطها وقد فارقت روحه الدنيا.

قال أحمد بن كامل توفي ابن جرير عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاث مئة ودفن في داره برحبة يعقوب يعني ببغداد قال ولم يغير شيبة وكان السواد فيه كثيرا وكان أسمر أقرب إلى الأدمة (السواد) أعين نحيف الجسم طويلا فصيحا وشيعه من لا يحصيهم إلا الله تعالى.

رثاء الطبري :

روي عن أبي الحسن هبة الله بن الحسن الأديب لابن دريد يرثي الطبري في قصيدة طويلة جاء فيها:

لن تستطيع لأمــر الله تعقيـبا***** فاستنجد الصبر أو فاستشعر الحوبـا

وافزع إلى كنف التسليم وارض بما***** قضى المهيمن مكروهــا ومحبوبا

إن الـــرزية لا وفر تزعزعه*****أيدي الحوادث تشتيتـــا وتشذيبــا

ولا تفـرق ألاف يفـــوت بهم*****بين يغادر حبـل الوصــل مقضـوبا

لكن فقدان من أضحى بمصرعه***** نور الهدى وبهــاء العلم مسلوبــا

إن المنية لم تتلف به رجـــلا*****بل أتلفت علمـا للديــن منصوبــا

أهدى الردى للثــرى إذ نال مهجته*****نجما على من يعادي الحق مصبوبا

كان الزمان به تصفـو مشاربه*****فالآن أصبح بالتكدــير مقطوبــــا

كــلا وأيامه الغر التي جــعلت*****للعـــلم نورا وللتقوى محاريبــا

لا ينسري الدهر عن شبه له أبدا*****ما استوقف الحج بالأنصاب أركــوبا

إذا انتضى الرأي في إيضاح مشكلة*****أعــاد منهجها المطموس ملحوبا

لا يولج اللغـو والعــوراء مسمــعه*****ولا يقارف ما يغشيه تأنيبــا

تجــلو مواعظـه رين القلوب كما*****يجلو ضياء سنا الصبح الغياهـيبا

لا يـأمن العجز والتقصـير مادحه*****ولا يخاف على الإطناب تكــذيـبا

ودت بقــاع بلاد الله لو جعلت*****قــبرا له لحباها جســمه طــيبا

كانت حياـــتك للدنيا وساكنها***** نورا فأصبح عنها النور محجوبــا

لو تعلم الأرض من وارت لقد***** خشعت أقطارها لك إجــلالا وترحيبا

إن يندبوك فقد ثلت عروشــهم*****وأصبح العلم مرثيــا ومندوبــا

ومن أعاجيب ما جاء الزمان به*****وقد يبــ،ين لنا الدهــر الأعاجيبا

أن قد طوتك غموض الأرض في لحف*****وكنت تملأ منها السهل واللوبا

وقال أبو سعيد بن الأعرابي :

حدث مفظع وخطب جليل ***** دق عن مثله اصطبار الصبور

قام ناعي العلوم أجمع لما ***** قــام ناعي محمد بن جرير


وقفة مع محنة الطبري رحمه الله :

قال الحافظ ابن الاثير ما نصه : ( فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على االحنابلة ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره فمنه تارة إنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين والشعر القطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، ثم طعنكم على خيار الأئمة ونسبتكم شيعة آل محمد إلى الكفر والضلال ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالابتداع وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام.....الخ ) انظر في كتاب الكامل في التاريخ ( 7/113 - 114 ) .

وقال ايضا مانصه : ( وفي سنة 310 هـ توفى محمّد بن جرير الطبري صاحب التاريخ ببغداد ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين ودفن ليلاً بداره، لأن العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهارًا وادّعوا عليه الرّفض ثم أدعوا عليه الإلحاد وكان عليّ بن عيسى يقول: والله لو سُئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه! .... إنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم )


فلا حول ولا قوة الا بالله ...

فمثل هذا الامام يموت ويدفن ليلا بالسر !!! بدعوى خبيثة من مجسمة الحنابلة !!!! .

ومثل هذا الامام الكثير والكثير ممن ظلم من هؤلاء المجسمة ، وما زال الظلم مستمراً .






www.al7ewar.net